#السُّرْيالِسْت_الناقد: محمود شاكر #كاىٕل_الريح (في كتابه عن #المتنبئ) [الجزء الأول]

بقلم الشيخ: محمد العلالي

#شيء_من_وجع_الرأس
#أبو_فهر: #محمود_ابن_شاكر

كتاب المتنبي محمود شاكر

توطئة:

  • اعلم –أثلج الله على قلقك باليقين– أن السُّرْياليين في الفنّ صابئة أقحاحٌ، وخوارجُ على إلف الأدباء خُلّصٌ: يرون الجمع بين عالَم الرؤيةِ وعالم الرؤيا ممكنا سانحا، وصحيحا مستساغا، لذلك تهجم خواطرهم الباطنة على كل ما يستشيط الحسّ السليم عليه، ويشمىٕز منه، ويتوقف فيه، وعلى كل ما يدخل المَرْغمة على الحاسّ بإراءته كل غريب منكر، يُركّب من مألوفات تُدمج بمبدإ فسق المجاورة (Juxtaposition) وهو من وسخ التخييل، ومن خنوثة الفلسفة، ومن طاعون الذوق.
  • والسرياليات كلها مبنية على الفَجْء، وعلى فسق المجاورة كما بيّنّا، وزعموا أنه كلما كان الفجء أهجم، وفسق المجاورة أفجر= كان التخييل أتمّ، والمَشْعر أحسّ، وفي الإلحاح عليهما قرع لِباب المزيد من الأعاجيب.
  • والداداىٕية بَسْملة السريالية، وهي فرقة من فرق الدينونة بالعبث: تنصِب للفن، وتستقبح فرط اللُّبّ، وبحبوحة الحِجَا، وترى في ذلك مبعثة للحروب.
  • وقد ارتجل كلمة السريالية «گِيُوم أَبُولِينِير» في توطئة مسرحيته المسماة «ثَديَا تايْرِيسياس» المؤلفة سنة 1903، والممثلة سنة 1917، وكان السُّرْيالِسْت الرائد «أنْدرِي برِيتُون» لا يفتأ يوكّد أن السريالية فن صابئ.
  • إن من خير ما يُطَرِّز للسريالية في الرسم= لوحةَ «الفيل سيليبيس» للسُّرْيالِسْت الداداىٕي «ماكس إيرنست»، التي جمعت بين الرؤياوية الحالمة، والأداميج الداداىٕية –والأدموجة (Collage): لوحة مكونة من قصاصات شَتّى، يجمعها زِنَى اللَّزْق كيفما اتفق، فتحبل بأجنّة تُوَسْوِس مقلة الناظر–. وسيليبيس: فيل مفخخ بكبريت الخيال، يشبه حَجَر البَهْت، ميكانيكي الصورة، ضخم، الأفق من خلفه واطئ، أقرن، كُرِيّ، كأنه طَوْطَم إفريقيّ، قُدَيْدِيمَه تمثال غانية عُريانة، مقطوعة الرأس، تلبس قفازا جرائحيا.

نقد كتاب المتنبىٕ:

لقد أسس أبو فهر محمود (ابن) شاكر كتابه عن المتنبىٕ على البسط والمِطّيطَى، وعلى شرح القليل بالكثير، وعلى إدامة الطرق. ولو جئت أوجزه بحذف فضوله، والاجتزاء بلبه دون قشوره= لقلتُ: إنه مبني على خبر ودعوى:

  • أما الخبر فما رواه الأصفهاني في واضحه عن مشكلات شعر المتنبىٕ، وهاؤموه:

«حدثني ابن النجار ببغداد أن مولد المتنبىٕ كان بالكوفة، في محلة تعرف بكندة، بها ثلاثة ءالاف بيت: من بين رواء ونساج، واختلف إلى كتاب (فيه) أولاد أشراف الكوفة، فكان يتعلم دروس (العلوية): شعرا ولغة وإعرابا، فنشأ في خير حاضرة، وقال الشعر صبيا، ثم وقع إلى خير بادية، وباللاذقية حصل في بيوت العرب فادعى الفضول الذي نبز به فنمي خبره إلى أمير بعض أطرافها، فأشخص إليه من قيده وسار به إلى مجلسه، فبقي يعتذر إليه، ويتبرأ مما وسم به» [الواضح في مشكلات شعر المتنبىٕ – أبو القاسم: عبد الله ابن عبد الرحمن الأصفهاني] (ص:6).

ونقل الخبر عنه عبد القادر ابن عمر البغدادي في خزانته. ولا فرق بينهما إلا في هذا الموضع: «… إلى خير بادية: بادية اللاذقية، وحصل…» [خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب – عبد القادر ابن عمر البغدادي] (ج: 2، ص: 347).

  • وأما الدعوى فمنهج التذوق.

كيف علق ابن شاكر على خبر الأصفهاني؟

  • يقول: «أيقظ هذا الخبر ما كان خافيا في نفسي… فعندىٕذ بلغت حد القطع بأن أبا الطيب علوي النسب فرضا يشبه الحقيقة، والفضل في ذلك كله لخبر الأصفهاني الذي ذكر فيه أولاد أشراف الكوفة، وقد قام عمود الصورة كلها كما رأيت على هذا الذي ادعيته وليس في يدي شيء غير لفظ الأصفهاني ثم دلالات شعر أبي الطيب» (ص: 53-54).
  • ثم يعثر على نص ءاخر في تأريخ ابن عساكر عن أبي الحسن الربعي: «وكان مولده بالكوفة في كندة سنة ثلاث وثلاثمئة، وأرضعته امرأة علوية من ءال عبيد الله» ويقول في إثره:
    ● «وإذن فالفرض الذي افترضته، والذي استثاره خبر لا يعين ظاهر لفظه –إذا انفرد– على مثل هذا الفرض ولا يوجِّه إليه –وهو قول الأصفهاني: ‹واختلف [يعني أبا الطيب] إلى كتاب فيه أولاد أشراف الكوفة›= لم يكن جزافا محضا» (ص:56).

كيف علق طه ابن حسين على خبر الأصفهاني؟

  • يقول: «فأما الرواة فيحدثوننا أن المتنبئ دفع إلى مدرسة من مدارس العلويين، أو إلى مكتب من مكاتب العلويين، فبدأ في هذا المكتب تعليمه، ولا يزيد الرواة على هذا الخبر شيئا يفصله أو يوضحه، ولكن المتأخرين والمحدثين منهم خاصة يذهبون في فهم هذا الخبر مذهبا أقل ما يوصف به أنه لا يخلو من مبالغة، فهم يظنون أن هذه المدرسة العلوية كانت مدرسة أرستقراطية ممتازة، وهم بعد ذلك يرسلون لأنفسهم العنان [يقصد ابن شاكر] في تفسير اختلاف الصبي إلى هذه المدرسة العلوية الأرستقراطية، ويفسرونه تفسيرات مختلفة، أما أنا فلست أدري أكانت المدرسة العلوية هذه ممتازة أرستقراطية حقا، أم كانت مدرسة كغيرها من المدارس ولكنها تُعلم على مذهب الشيعة العلويين، فلفظ العلويين في هذا الخبر عندي يوشك أن يكون مرادفا للفظ الشيعة، وواضح جدا أن المدارس في مدينة كمدينة الكوفة كانت تختلف باختلاف السكان لهذه المدينة، فللشيعة من هؤلاء السكان مدارسهم، وللسُّنيين منهم مدارسهم أيضا، وجائز أن تسمى مدارس الشيعة مدارس علوية، كما تسمى ‹مدارس› أهل السنة مدارس عباسية، وأكبر الظن عندي أيضا أن الأرستقراطيين الممتازين من الشيعة العلوية ومن أهل السنة لم يكونوا يرسلون أبناءهم في طور الصبا إلى المدارس العامة، وإنما كانوا يتخذون لهم الأساتذة والمؤدبين… إنما كان أوساط الناس وعامتهم هم الذين يرسلون أبناءهم إلى هذه المكاتب… فاختلاف المتنبىٕ إلى هذه المدرسة العلوية لا يدل على امتياز ولا استثناء، وإنما يدل على الاتجاه الديني الذي وُجه إليه الصبي» [مع المتنبىٕ، ط: الهنداوي – طه ابن حسين] (ص: 29-30).

كيف علق ابن شاكر على نص طه؟ (كباحثة عن حتفها بظلفها)

  • يقول ابن شاكر عقب نقله كلام ابن حسين: «وفي هذا الكلام أعاجيب، فالدكتور ينقل عن كتاب مطبوع متداول هو خزانة الأدب للبغدادي، ويحدد الجزء… والصفحة… ويقول: ‹إن المتنبئ دُفع إلى مدرسة من مدارس العلويين…› [آه طه]». ويتابع ابن شاكر فيقول: «والنص هناك:… وفي هذا النص من كتاب البغدادي سقط أو خطأ لا شك فيه، فما في العلم شيء يمكن أن يسمى ‹دروس العلوية شعرا ولغة وإعرابا›، وصواب العبارة: ‹فكان يتعلم دروس العلوية (وحذق العربية) شعرا ولغة وإعرابا›» [آه ابن شاكر] (ص: 472).
  • ثم يُتبع ابن شاكر سببا، فيقول ناقدا تحريف ابن حسين (أبناء الأشراف) إلى (العلويين): «وخبر البغدادي نص لا يقبل المكابرة ولا اللجاج، فلذلك أزاله الدكتور، ورواه بألفاظ من عنده تمهيدا للمذهب الذي أراد أن يذهبه، فكيف يرى القارئ تصرف الدكتور في نقل العلم، وهو قد خشي أن ينقل النص وتجنب ذكره لِما يعلم من فساد رأيه وفسولة مذهبه، ولما هو عليه من قبح التهجم وسوء الاستنباط، وإذا قيل: إن المتنبىٕ اختلف إلى كتاب فيه أولاد أشراف الكوفة، فمعنى ذلك بغير شك أنه كتاب فيه أبناء العلويين نسبا من أهل الكوفة… فحرف، وبدل، وأفسد، وتهجم بغير علم ولا بينة ولا تثبت [الكلام عن طه]، ومسكين هذا الدكتور طه! أفتدري لم ركب هذا المركب؟ ولم حرف وعمد إلى التلبيس والتمويه ابتغاء استمالة الدهماء من قراء كتبه؟ أتدري لم تورط في هذا كله؟ ألا فاعلم أنه أراد أن يخالفني (أنا) وحدي، فإني جعلت اختلاف المتنبىٕ إلى كتاب فيه أولاد أشراف الكوفة موضع النظر، وأخذت أعلل ذلك» (ص: 473).

أخطاء محمود ابن شاكر في فهم النص والتعليق عليه (ويلحق به طه ابن حسين):

  • صدق ابن شاكر في ظنه: فهذا الخبر مُحْرَورِف عن سبيلة الصُّحِّ، تَطَمَّسَه بَنانُ نسّاخ مسّاخ، عاسرته تهجية كلمة فيه، فقال لنفسه: جُزْ! عسى أن تقع على ما يزيل المعاسرة! ثم رأى في تالية الخبر ذكر أشراف الكوفة، فحسب أنهم ذرية أبي الحسن الكرّار: علي ابن أبي طالب –وهذا عرف فاشٍي في المتأخرين–، فَكَيْلَجَ عبارات المتقدمين بعبارات المتأخرين –وذاك تذاكٍي منه قبيحٌ منكر–، فاستبدل بكلمة «العربية» كلمة «العلوية»، ولكنّ الخبر على الصحة إنما هو هكذا: «فكان يتعلم دروس (العربية): شعرا ولغة وإعرابا». وهكذا يجوز الخبر على سراطة مستقيمة، ويخرج خروجا مستويا. وههنا شيء ينبغي أن لا تخطئه مقلتا نظّار، وهو أن تصحيح ابن شاكر للخبر كان كالمماحكة منه، لأن فيه ذهابا إلى هوى نفسه، فأقرّ كلمة «العلوية» التي توافق ما يمارس من أمر المتنبىٕ، وقال للغلط: كما أنت! وزوّجه بأغلوطة أتى بها من لدنه، فزاد على التحريف تحريفا أقبح منه، ولكنه مليح في عينيه لأنه لا يفسد عليه شهادة ذلك الخبر له، والصُّحّ المسفر في ذلك كله هو ما أخبرتك به، فلم يكن قط شيء اسمه «دروس العلوية».
  • أوّل ابن شاكر (الأشراف) في الخبر بأبناء علي، وتابعه على ذلك طه ابن حسين، وكأنهما في هذا مقتفِيَا أثر ذلك النسّاخ المسّاخ، ولكن لمَّا كان هذا الفهم الخاطئ نخّاس الفكرة التي عقد ابن شاكر ضميره عليها= فإنه عَرِق في الإبقاء عليه، وفي ترويجه.

إن الأشراف رؤساء الناس، سواء أكانوا علويين أم لم يكونوا، وقد ألف البلاذُري في أنساب الأشراف كتابا، ولم يخص به ذرية علي، ودونك هذين الخبرين اللذين ذُكِر فيهما أشراف الكوفة، فتأملهما:

  • «واجتمعت الشيعة إلى سليمان بن صرد، وقالوا: قد مات هذا الطاغية… فقم بنا نثب على عمرو بنالحريث، ثم نظهر الطلب بدم الحسين، ونتتبع قتلته فنقتلهم، وندعو الناس إلى أهل البيت المدفوعين عن حقوقهم. فلما أكثر الناس… قال لهم سليمان: رويدا!… إني قد نظرت في ما تذكرون، (فرأيت أن قتلة الحسين هم أشراف الكوفة) وفرسان العرب، وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون علموا أنهم المطلوبون، فكانوا أشد شيء عليكم. وقد نظرت في من معي منكم، فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا نفوسهم، ولم ينكئوا في عدوهم، وكانوا لهم جزرا، ولكن بثّوا دعاتكم، فإني أرجو أن يكون الناس أسرع استجابة حيث هلك هذا الطاغية» [تجارب الأمم وتعاقب الهمم – أبو علي: أحمد ابن محمد بن يعقوب مسكويه] (ج: 2، ص: 109-110).
  • «وأجمع رأي أشراف الكوفة على قتال المختار، فركب شبث، وشمر بن ذي الجوشن، ومحمد بن الأشعث… حتى دخلوا على كعب بن أبى كعب الخثعمي، وذكروا ما اجتمع عليه رأيهم من قتال المختار» [تجارب الأمم وتعاقب الهمم – أبو علي: أحمد ابن محمد بن يعقوب مسكويه] (ج: 2، ص: 169).

إن أشراف الكوفة في الخبرين هم قتلة الحسين، لا ذرية أبيه.

الحكم على الروايةِ:

  • إذا تقرينا سياق الرواية وجدنا أنها جاءت لتبيين فصاحة المتنبىٕ بأنه اختلف إلى كتاب (فيه) أولاد أشراف الكوفة –وهم الرؤساء والمشيوخاء–، وهذا مَئِنَّة حذق المؤدب، ثم انتقل إلى بادية يكثر فيها الأعراب الأبْيِناء، وهذا مظنة الفصاحة، فجمع بين تأديب الحاضرة وفصاحة البادية، وذكر أولاد الأشراف في الخبر مسبوق بكلمة «فيه»، وهذا يدل على أن المكتب ليس لهم على الخِصِّيصَى، وإنما يقرءون فيه، ويقرأ معهم غيرهم، وليس وراء ذلك من الاستنباط شيء، ولا يُستفاد من هذا الخبر شيء من ما دغدغ تخييل ابن حسين وابن شاكر.
  • انظر الٵن كيف أصبح كل ذلك الجدل الذي كثّر به ابن شاكر كتابه= لا يُرى منه إلا تشنّج السَّبّابة، وخيبة الحُنْجُور، وكيف أمسى ما أسسه فيه نُفّاخة مُنْفَشّة بدُبَيْبِيس تحريف، غُفِل عنه أو تُغُوفِل عنه، وأصبح معظم كتابه كصوت «فِشّْ» –وامطل بمخرج الشين–.
  • لقد جعل ابن شاكر المتنبئ علويا، وأسس كتابه كله على ذلك الخبر المارّ متنه، وقد رأيت من حاله ما أريتك، وأنا أحكم عليه بما حكم به هو على نفسه حين قال: «والقول بأن المتنبئ علوي النسب قول لم يسبقني إليه أحد من القدماء ولا المحدثين، ولا جاء به خبر يدل عليه، أو يعين على افتراض هذا الفرض من قريب أو بعيد، فكيف جاء إذن؟ وكيف صار جزءا من عمود الصورة؟ لا، بل هو الصورة كلها، فإذًا فقد بطلت فقار عمود الصورة جميعا بطلانا كاملا» (ص: 51).

وإذا كان ذلك كذلك بطل الخبر بطلانا مسفرا، وأصبح الاستشهاد به مرفوضا.

وللحديث صلة إن شاء الله عن بقية الأدلة على إبطال علوية المتنبئ.