لُمَع متفرقة بمناسبة ما دار مؤخرًا حول التعريب عموما، وتعريب (جردان بن البيطار) و(دستوفيّ) خصوصا:

الأصل في التعريب

الأصل في التعريب: نقل الكلام الأعجمي إلى العربية «على منهاج العرب»، أي على أوزانهم وعاداتهم وسجيتهم، من البدء بمتحرك واجتناب كثرة المتحركات تتاليًا وما شابه. هذا بديهي يُترفَّع عن ذكره؛ كيف يشرح المرء شيئًا هو واضح من اسمه أصلًا؟
على كل، هذا هو الأصل، فدع عنك ما عداه.

مذهب العرب في التعريب

مذهب العرب قريب من منهاج العوامّ البسطاء.. فالعوام مثلًا يسمعون كلمة automobile فيقولون (أطُمْبيل)، ويسمعون facebook فينطقونها (فِسْبُك)، ويختصرون فيقولون (فيس) كما قالت العرب (أرسطو) في أرسطوطاليس. هذا في جبلتهم، وهذا هو منهاج العرب، لا ينطقونها كما ينطقها أهلها ولا يعبئون أصلًا، بل ينطقونها بما يوافق سجيتهم ولسانهم وهواهم. وهذا ما ينبغي، إلا عند الحاجة.

ولذا قالوا: «أعجميٌّ، فالْعبْ به»، أي إذا كان اللفظ أعجميًّا فلَك أن تنطقه على أي وجه وافق لسانك وجبْلته. بل هناك كتاب اسمه على اسم ذلك المثل، جامع لأقوال اللغويين في التعريب أظن، لكني لم أطالعه بعد.

العرب تكره تتالي المتحركات، وطول الكلمات، والمنتهيات بالواوات، وحشر المَدَّات. والأكثر عندها في التعريب ختم الكلمة بالهاء (قسطنطينية)، ثم المد في ما يناسبه المد (إيليا)، هذا إن نطقوا الهاء والألف أصلًا.. لا ما اعتاده مبتدئو الترجمة من الاستسهال.

النقحرة

النقحرة –أي النقل الحرفي لأصوات الكلمة بحروف عربية كما هي عند أهلها، وهو الشائع بين المستسهلين– أدنى درجات التعريب، بل غالبًا لا يُقال إنها من التعريب أصلا إلا تجاوُزًا وتساهلًا، لأنها عادة لا تكون على منهاج العرب وأوزانهم. فقبيح أن يُلجأ إليها بلا داع قوي، كالرغبة في توحيد شكل الكلمة عالميًّا في الأكاتيب العلمية وكذا.

والأقبح طبعًا أن يُلجأ إليها في صفحة كهذه، معمولة للانبساط وخلع رسميات العمل وللاستمتاع والتعلم.

لاحظنا من بعض إخوتنا الجدد أنهم يسمُّون النقحرة (تعريبًا)، وتعريب العرب (ترجمة)، فيخطِّئون تعريباتنا لأن الأصل –عندهم– أن «الأسماء لا تُترجم».. لِله ظرفهم وبساطتهم!  

بين النقحرة والتعريب

لك أن تعمل مِية دراسة ودكتوراه ترفع شأن النقحرة وتحط ما عداها من أساليب التعريب القديمة العُليا القُربى من لساننا، ومع هذا ليس أي من جهدك بشيء مُلزِم. لك أن تعمل دراسة فتقول: الصواب (مهندِز) لا (مهندس)، لأن الفُرس ينطقونها بالزاء.. وليس قولك هذا بشيء، والصواب ما وافق لسان العرب، ولساننا يكره مجيء الزاء بعد الدال.. فهي مهندس على رغم دراساتك. ومثل هذا يقال في (قسطنطين) مثلًا؛ نعم تُنطق عندهم (كُنِستنتَين)، لكن الأعلى أن تُكتب وفق ما ناسب اللسان العربي.

يظن بعضهم أنه لا منهاج للنقحرة (التي يسميها هو تعريبًا)، والحق أن مجمع القاهرة لم يدخر جهدا في تقعيد النقحرة.. وطبعا جهد أساتذتنا فوق دماغنا، ولا يعلم إلا الله ما في نفوسنا من احترام لهم.. ومع هذا لا يُعمل بنظامه إلا في محله حيث ينفع، ويظل أدنى درجاتٍ من مذهب العرب والعوامّ في التعريب.

يقبُح في التعريب أن تكتب ما لا تَنطِق.. فيقبح أن تكتب (فِيسبوك) وأنت تنطقها (فِسبُك)، وأن تكتب (ويليام) وأنت تنطقها (وِلْيَم) أو (وِلْيام)… وهلم جرًّا. وما اشتهر هذا القبح إلا لامتلاء مجال الترجمة بالمستسهلين.

ستجد هنا –وفي طلبك للعربية عموما– ما تستغربه، فلا تعجل بالاستنكار والسخرية والتسفيه، فلا هذا بِمُجْد، ولا نحن بالمُغيِّري أسلوبنا نزولا إلى مستوى العوام، فهذا ضد ما تابعتَنا من أجله أصلا. أحسن بنا الظن نُحسنْه، فطريق الطلب طويل، ونحن هنا لك، لا عليك.

مثال على التعريب من الأستاذ عبد الرحمن بدوي

انظر إلى الاسم المعرَّب، كيف كتبه عبد الرحمن بدوي في تصدير كتاب الإشارات الإلهية لأبي حيان التوحيدي كما يُنطق (كَفْكا)، لا (كافكا) الشائعة بين العوام:

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏

تصدير كتاب الإشارات الإلهية من تحقيق عبد الرحمن بدوي

روابط:


3 تعليقات

دجانه · 04/08/2020 في 9:27 ص

يعطيكم العافيه جميعاً

أنس · 01/10/2020 في 11:59 م

موقعٌ كالبحر اللّجب، يبري قبل أن يريش، ولا يُسرُّ حَسواً في ارتغاء
إلى الأمام

تعلم نسب الآلهة المصرية في 3 دقائق – تريجمات · 05/10/2020 في 5:59 م

[…] اقرأ أيضًا: عن التعريب والنقحرة […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *