اعلمْ –وُفّقت إلى دقّة البصر ورقّة البصيرة- أنّه قد كان من أهم المشكلات التي أشكلت في الكنيسة: مسألة العلاقة بين الرحمة والعلم، وبين المسيحية والحضارة.

أول المشكلة: مذهبان في الكنيسة

المذهب الأول

كان أولَ أمر هذه المشكلة ظهورُ مذهبين في الكنيسة: الأول منهما هو المذهب العلمي أو الأكاديمي الفقهي، وهو المذهب العملي الذي وهب له بعض الرجال أنفسهم حتى يستحيثوا على المفاهيم الصحيحة الصائبة عن المسيحية وأصولها فيستخرجوها، وفي رأيهم: ما من حقيقةٍ في الدين مهما حقُرت في العين وصغُرت في النظر، إلا وهي حقيقة بالنظر، فالحقيقة مطلوبة لذاتها، ولا عبرة عند البحث عنها بالعقابيل العملية.

المذهب الثاني

أما المذهب الثاني فكان ينظر في الإنجيل فلا يرى إلا البساطة: الناسُ في كبَد، وكُلُّنا خطّاؤون، والذنوب تُهلك الناس كلّ يوم، وما من دربٍ إلى النجاة سوى الإنجيل، فلنبشّر به الناس ما دمنا مستطيعين الآن. إنّ حاجة الناس إلى الإنجيل أشدّ من أن نتماهل في الفقه الباطل وأحاديث الخرافة. فإن كُنّا نحن نناقشُ اليوم مسألة موقع كنائس غلاطية على وجه الضبط والدقّة، فإن الناس تثقلهم لعنة الشريعة، وإن كنا نناقش ميلاد المسيح فإن كثيرًا من الناس يعيشون وهم لا يعرفون رسالة الميلاد.

رأي كُلّ فريقٍ بصاحبه

يسمّي أصحاب الفريقين أنفسهم مسيحيّين، ولكنّهم لا يضمرون بينهم مشاعر الأخوّة. إنّ المسيحيّ صاحب المزاج العلميّ يتّهم أخاه بالعاطفيّة المُفرطة، وبالاحتجاج السطحي، وبفساد أساليب الاستدلال. وهذا المسيحيّ العمليّ نفسه قول صراحًا إن حاجات الإنسان لا شأن لها بمسلكه الأكاديمي. وما يشبه هذا الفقيه إلا ناشرًا للشكّ بين الناس، وإلّا رجلًا مؤمنًا له قولٌ وليس له عمل، رجلٌ يحقق في معنى الخطيئة الإنسانية ورحمة الله بعَون المجلّدات الجسيمة الغابرة، وهو قابعٌ في مدرسته الدافئة المريحة، لا يشغل باله أمر المعانين كل يوم، ولا يطرق باب قلبه ذكرُ الفقراء وحوائجهم.

أصول المشكلة في وجدان الفرد

ولكنْ، إذا كانت المشكلة ظاهرة هكذا في اختلاف المذهبين في الكنيسة، فإنّها لا شكّ أقوى في وُجدان كلّ فرد. فإذا نظرنا في الأمر نظرًا مُنعمًا، رأينا ثَمّ رغبة في المعرفة ورغبة في النجاة، ورأينا فرقَ ما بينهما. فأمّا الفقيه فلا بدّ ينظر إلى نفسه نظرة الباحث المحقّق –وهي نظرة تبدو مستحيلة في حق المسيحي المتديّن الذي يعتقد أن المسيح هو المنجّي من إصر الخطيئة. فإذا وضعنا كلتا هاتين النزعتين- نزعة طلب العلم، ونزعة الإيمان البسيط- في مكانها الصحيح في حيواتنا، نما إلى الذهن سؤال العلاقة الصحيحة بينهما فألحّ.

ما أعجزنا عن حلّ المشكلة؟

إنّ ممّا يعجزنا عن حلّ هذه المسألة مجيئُها على غرّة منّا، وظهورها في غير ساعة تحضير. إن نظامنا المدرسيّ والجامعيّ مؤسّسٌ على نحوٍ يُبعد فيه الدين عن الحضارة ما استطاع، متجاهلًا السؤال عن العلاقة بينهما. فنحن نطلب العلم في المدارس خمسةَ أيّام –أو ستّةً- في الأسبوع، وقد استُثنيت العلوم الدينيّة من هذا الطلب، فدرسنا العلوم الطبيعيّة من غير نظرٍ في حملها أو عدم حملها على اللاهوت الطبيعيّ أو الوحي، ودرسنا الإغريقية من غير دراسة فاتحة العهد الجديد، ودرسنا التاريخ ونحن نتحامى من أهم الحركات التاريخية التي أنشأتها سُنّة عيسى. أما الفلسفة، فلم نستطع فيها إنكار أهمية دراسة الدين، ولكننا جعلناه على أبعد ما يمكن من الدراسة. أمّا يوم الأحد، فنلتقي في الكنيسة لِتُلقى علينَا خطبٌ ووصايا تأمر بقلّة استخدام العقل. لم يكن التحضير لدروس مدرسة الأحد شيئًا كالتحضير لدروس الرياضيات أو اللاتينية. ومن ثمّ ظهر الدين شيئًا لا يتعلّق إلا بالمشاعر والإرادة، تاركًا العقل للدراسات العلمانية. وما البدعُ في ذلك بعد أن رأينا أن الدين والحضارة عَصَوَان كلّ واحدةٍ منهما في واد من وديان الروح، وأن اتحادهما يعني تدمير كليهما؟

حلول مسألة المسيحية والحضارة

الحل الأول: إخضاع المسيحية للحضارة

لا يخلو حلُّ هذه المسألة –مسألة المسيحية والحضارة- من أن يكون أحد ثلاثة حلول. أولها: إخضاع المسيحية للحضارة. وهو حلٌّ لطالما فضّله جزءٌ كبيرٌ من الكنيسة اليوم، فبإنهاء الخوارق في المسيحية –وهو مذهب ما أشيَعه اليوم- تصبح المسيحية من بنات هذا العالم الطبيعي، وتُمسي منتجًا إنسانيًّا، وجزءًا عاديًّا من الثقافة الإنسانية.

فساد الحل الأول:

ولكنّها إذا كانت كذلك، كانت شيئًا مختلفًا اختلافًا تامًّا عن المسيحية القديمة المبنية على الوحي الإلهي. فإذا جُرّدت المسيحية من سُلطتها، لم يعد الإنجيلُ إنجيلًا، ولم يعُد إلا كتابًا يُباع بالآلاف ولا شهادة في أسفله. فإذا كان هذا هكذا، كان إخضاع المسيحية للحضارة مدمّرًا للمسيحيّة، جاعلًا إيّاها تزويرًا يحمل الاسم القديم.

الحل الثاني: إخضاع الحضارة للمسيحية

أمّا الحلّ الثاني فالخلافُ المستطرفُ للحلّ الأوّل، فهو إذ يسعى إلى إعطاء الدين مجاله ومعمله، يسعى في تدميرالحضارة. وهو مع ذلك حلٌّ أفضل من الأول، إذ يقرّ بشرّ العالم ولا يشتري أوهام التفاؤل وتأليه الإنسانية. إن العالم شرٌّ من أن يمكن له إنتاجُ نجاةِ نفسِه، فلا بد أن تكون النجاة هديّة من حياةٍ أخرى جديدة، آتية من الله إتيانًا مباشرًا. فإذا كان هذا هكذا، حاجّ بعض الناس في أن الحضارة لا ينبغي أن تكون عند المتدين المسيحي إلا قضية لا يعبأ بها. فإذا أخذنا هذا المذهب ومضينا فيه إلى النهاية، لم يكن في حاجة إلى عصرِ مُخٍّ في التفنيد، ولا إلى طرق باب الاستدلال.

فليس يقومُ في الأذهانِ شيءٌ   إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ

فساد الحل الثاني

إذا كانت المسيحيّة فعلًا مناقضة لكونِ العقل أداتنا الوحيدة لبلوغ الحقيقة، فلا شكّ حالئذ في حاجتنا إلى تعديل المسيحية أو تركها ظهريًّا. لذا لم يكن في إمكاننا الاستقلال عن مبالغ العقل، هذا ونحن لا نستطيعُ نشر الإنجيل بالطباعة والقطار والتلغراف، ثمّ سبّ العقل الإنساني الذي أنتجها. ولم تكن هذه الأشياء نتيجة عبقرية صنعية فقط، بل كان إلى جانبها تحقيقٌ علميّ بحت تحفزه الرغبة المخلصة في المعرفة. وإذا مضينا في هذا المذهب إلى نهايته، لم يتّبعه منّا أحد.

شرٌّ لا بدّ منه

ولكن كلّ رجل متديّن في الكنيسة اليوم يتبع هذا المذهب من حيث الأصل والجوهر، فهم إذا قالوا إنه لا بد للمسيحي من أن يكون ذا يدٍ في الحضارة الإنسانية، فإنهم في الوقت نفسه يرون هذا الأمر شرًّا لا بدّ منه، أي أمرًا حقيرًا لا بد من تكلّفه بحسّ المسؤولية من أجل بلوغ أهداف الإنجيل الكبرى، وإذا كان المرء من أصحاب هذا المذهب، لم يكن له إلى العلم والفن أي حافز وأي حماسة، إذ لا بدّ أن يرى هذه الحماسة خيانةً للإنجيل. هذا المذهب لا هو منطقي ولا هو كتابي، فالله قد وهب لنا قوة العقل، وجعل فينا اقتناعًا لا حيدودة عنه أن هذه القوة لا بد من استعمالها. هذا، والكتاب المقدس نقسه لا يخلو من الشعر الحماسي، ولا من تقدير الجمال. فإذا كان كلّ هذا هكذا، لم يكن الحلّ الثاني شافيًا للمسألة، فمهما فعلنا، لن نستطيع خنق الرغبة في المعرفة وحب الجمال، ولن نستطيع أن نرى أن هذه الرغبات شرّيرة دومًا.

اقرأ أيضًا: أمثال في الحث على السرعة

حلّ ثالث

فهل المسيحية والحضارة في صراع لا ينحلّ إلا بتدمير أحدهما؟ لعلّ أنّ حلًّا ثالثًا يكون ممكنًا، لعلّه النيّة. فلا ندمّر الفنون والعلوم ولا نترك الاهتمام بها، بل نزرعها بكل الحماسة التي في أحمس إنسان، ونجعل هذا خدمةً لربّنا. ولا نخنق الرغبات التي يخلقها طلب العلم أو تقدير الجمال، بل نقبلها على أنها هدايا من أبينا السماوي. ولا نزيل الفرق بين الملكوت والعالم، ولا نسحب يدنا من العالم في رهبانيّة ثقافيّة محدّثة، بل نجعل العالم تحت أمر الله بسعادة وحماسة.

فضائل الحلّ الثالث

إنّ في ها الحلّ الثالث فضائل جمّة، أوّلها: فضيلة منطقية، فإن الإنسان لا يؤمن إلا بما يقرّه في عقله، فأما نحن المسيحيّين فنقرّ بالمسيحيّة، وأمّا غيرنا فيقول ببطلانها، فمن المصيب؟ لا ينحلّ هذا السؤال إلا بالاختبار والمقارنة بين أسباب كلا الطرفين، ولا شكّ أن من أسباب إيماننا تجربةً داخليّة لا نستطيع بثّها –وهي التجربة العظيمة التي بدأت بفهم الخطيئة والهداية واستمرت في الاتحاد بالله- وهي تجربة ليست عند سائر الناس، لذا لا نستطيع بناء الحجة عليها. ولكن إذا كان رأينا صحيحًا، فلا بد أن نستطيع على الأقل إظهار ضعف حجج المُخالف.

 

مجال المسيحيّة

وما يكون هذا إلا بدراسة الطرفين. إنّ مجال المسيحية هو الكون كلّه، ولا يمكن للمسيحيّ أن يرضى وشيءٌ واحدٌ في العالم يعارض المسيحية أو ينفكّ عنها من كلّ جهة. لا بدّ أن تعمّ المسيحية لا كل الأمم حسب، بل كل الفكر الإنساني، لذا لم يمكن للمسيحي أن يكون غير عابئٍ بأي فرع من فروع السلوك الإنساني الجادّ. ولا بدّ من ربط كل مسلك بالإنجيل، ولا بد من دراسته إما لإظهار خطئه، وإما لجعله أداةً في مقاربة ملكوت الله. إذ لا بد من مقاربة الملكوت اتّساعًا وعمقًا. إنّ على الكنيسة أن تسعى في هداية كل إنسان بشأن المسيح، وعليها مع هذا أن تسعى في هداية كلّ الإنسان إلى المسيح. لقد اعتدنا أن نشجّع أنفسنا بالتثبيط عن التفكّر ما دام على كل ركبةٍ أن تركع أمام المسيح، وعلى كل لسان أن يقرّ به. وليس أقلّ إلهامًا أن زمنًا ما سيأتي تختفي فيه الشكوك، وتُزال التناقضات، وتشير كل العلوم إلى مفهوم واحد عظيم، وتُجعل كل الفنون لهدفٍ واحد، ويدخل أثر المسيح المُصلح في كل فكرة إنسانية، ويصبح كل فكرٍ إنسانيّ مقرًّا بطاعة المسيح.


لمّا تكتملْ.


المصدر:

The Princeton Theological Review, Volume 11, Number 1  (1913)
J. Gresham Machen
Christianity and Culture

التصنيفات: تريجمات الحكمة

ما من تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *