أولى الوصايا العشر

﴿إني أنا الربُّ إلهك﴾

أولى الوصايا العشر: إني أنا الرب إلهك

ما أول وصية في الوصايا العشر[1]؟

قد يبدو سؤالًا غريبًا، لكنه ليس، فاليهود والمسيحيون مختلفون في إجابته، لأن ما ندعوه «الوصايا العشر» يُدعى في النسخة العِبْرية الأصلية «البيانات العشرة». لكنْ لأن النسخة العبرية هي الأصل، سنبدأ بالبيان الأول الذي تتفق عليه كل الأديان، وهو :«إنِّي أنا الربُّ إلهُكَ الذي أَخرجَكَ من أرضِ مِصرَ من دارِ العُبودية».

هذا البيان يبلغ من الأهمية أنَّ بقية الوصايا لا تعني من دونه شيئًا. فهو يؤكد أولًا: أن الوصايا صادرة عن الله، لا عن موسى أو أي إنسان آخر.. وثانيًا : أن الله هو الذي أخرجك من العبودية. مرة أخرى : لَمْ يفعل هذا بَشريٌّ، ولا حتى موسى، ومِن ثَم لي –أنا اللهَ– عليك حقٌّ. فما ذا الحق؟ أن تتَّبع الوصايا التِّسْع اللَّواحِق.

كان هذا بداية ما يُدعى «التوحيد الأخلاقي»، أعظم ما غيَّر العالَم من إبداعات الكتاب العِبْري، ويعني شيئين: أن الله الأَحَد (وهذا التوحيد) هو مصدر الأخلاقيات (الأخلاق). وأن الأخلاق –وهي قانون موضوعي للصواب والخطأ– لا تصدر عن رأي بشري، بل عن الله، وأنها مِن ثَم فوق الآراء البشرية.

المغزى الآخر من «التوحيد الأخلاقي» : أنّ أَهمَّ ما يريده الله مِنّا أن يكون تَعاملُنا مع الآخرين أخلاقيًّا. «ليس في الوصايا وصيةٌ عن ما يجب على البشر عَمَلُه لله». ففي الأديان التي سبقت الوصايا «كان على الناس أن يعملوا أشياءَ كثيرةً لِآلهتم»، كتقديم الطعام، وحتى الأضاحيّ البشرية. لكن صار في عِلم الناس اليوم –بفضل الوصايا العشر- أنَّ مُراد الله أن نُحسن معاملة إخوتنا في البشرية. فحتى الوصيتان الناهيتان عن «اتخاذ آلهة باطلة» و«إساءة استعمال اسم الله» دائرتان حول الأخلاق.

إنَّ ما يَسَعُنا عملُه «لله»: أن نُحسن معاملة بقية أبنائه. ولِأي والِدٍ أن يتفهم هذا. فالآباء –الأَسْوِياء منهم على الأقل– يَكتنِفهم فرح لا يُوصف حين يَرَون أبناءهم يتعاملون بمودة، وألَمٌ لا يوصف حين يرَوْنهم يؤذي بعضُهم بعضًا. وكذلك الله  الذي  يُشبَّه  بأب  لنا في السماء : لا يَحْفِل بشيء حَفْله بكيف نعامل الآخرين الذين هم كلهم أبناؤه أيضًا.

وأما ثالث التعاليم الهامة التي في البيان الأول «إنِّي أنا الربُّ إلهُكَ الذي أَخرجَكَ من أرضِ مِصرَ من دارِ العُبودية»، فهو : أهمية الحرية ومعناها. انتبهْ على أن الله في هذه المقدمة إلى الوصايا العشر لا يقول إنه خلق العالَم. أكيدٌ أنه كان سيكون معقولًا أن يقدِّم الله للوصايا العشر ببيان كهذا : «إنَّي أنا الربُّ إلهُكَ الذي خَلَق العالَم»، فخلْق العالم رائع طبعًا! وذِكْرُه معقول: «إني أنا خالق العالم، فأَصْغِ، هو خيرٌ لك».

لكن لا. لا يُنوِّهُ الله إلا بأنه أخرج بني إسرائيل من العبودية إلى الحرية. فإلى هذا الحد يَبغَض الله العبودية ويُكْبِر الحرية. ومن خلال هذا الاعتقاد كانت رؤية الآباء المؤسسين لأمريكة: اعتقاد أنّ الله يريدنا أحرارًا. ولهذا ليس منقوشًا على جرس الحرية (أَبْرز رمز  للثورة الأمريكية) إلا جملة واحدة.. آية من الكِتاب العِبْرِيّ : «وتُنادُونَ بالحُريَّةِ في الأرضِ لِجَميعِ سُكَّانِها».

لكنْ في البيان الافتتاحي للوصايا العشر تَعليمٌ آخرُ مهمٌّ كذلك عن الحرية وهو: مَعنى الحرية. الحقُّ أن واهِب الوصايا يقول : قد أخرجْتُكم من العبودية إلى الحرية، وهؤلاء الوصايا هُنَّ السبيل إلى بناء مجتمعٍ حُرّ.. «مُحالٌ أن تكُونوا أحرارًا وأنتم تَتَّبعون في كل أعمالِكم أَهواءَكم». الحرية تُنال بضبط النفس الأخلاقي، وليس إلى نَوالِها سبيلٌ آخر.

ورابعًا وأخيرًا : الله إذ يُخْبرنا بأنه حرَّر العبيد العِبرانيِّين يوضِّح أنه يعتني بالبشر أشدَّ العناية. فما أرْوع خلْق العالم، لكن الأَهم ليس مجردَ وجودِ خالق.. إنما الأهم أن ذلك الخالق مُعتنٍ بخَلْقِه. كل ذلك يَحوِيه البيانُ الوحيد الذي تبدأ به الوصايا العشر.

ثانية الوصايا العشر

﴿لَا يَكُنْ لَكَ آلِهةٌ أُخْرَى أَمَامِي﴾

ثانية الوصايا العشر: لا يكن لك آلهة أخرى أمامي

 

فلنتكلم عن الوصية الثانية –وَفق أقْدم تَعداد للوصايا العشر: التَّعداد اليهودي. وأما في العُرْف المسيحي فهي الوصية الأولى–.

تبدأ الوصية هكذا في أَشْيَع تراجمها: «لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي». ثم تَنهى الوصية في بَقيَّتها عن جعْل الأصنام وعبادتها. وحين ينظر معظم الناس في هذه الوصية، يرَوْن طبعًا أنها لا تنهى إلا عن اتخاذ الأصنام والآلهة التي من قَبيل الآلهة الوثنية القديمة –التي للمطر أو الخصوبة أو الآلهة الطبيعية الأخرى– والآلهة الرئيسة –كَيُوبيتر الروماني، وزيوس اليوناني–.

لكنْ في هذه الرؤية مشكلة كبيرة. فلِاندثار عبادة تلك الآلهة –بَلْه عبادة الأصنام الحجرية– يظن معظم الناس أن هذه الوصية لا علاقة لها بحاضرنا ولا أهمية. لكن المفارقة أن هذه الوصية ليست مهمة لعصرنا وحسب، وإنما هي من نَواحٍ كثيرة أمُّ جميع الوصايا الأخرى. فلماذا هي مهمة لعصرنا؟ لأنه لا يَقِلُّ آلهةً باطلةً عن عصور القدماء. ولماذا هي أم بقية الوصايا؟ لأننا إن حدَّدنا الآلهة الباطلة واجتنبنا عبادتها، فسنتخطَّى أحد أكبر العوائق عن بناء عالَم جيد: الآلهة الباطلة.

فلنبدأ بتعريف «الإله الباطل». إنَّ مَذهب التوحيد الكِتابيّ أنْ ما من إلهٍ إلا إلهٌ واحد، وأنْ ليس لنا عبادة إلا ذلك الإله الأحد الذي خلق الكون وكلَّفنا أن نَستمسِك بتلك الوصايا. لِـمَهْ؟ أولًا: لأن الوَحدة الإلهية تعني وَحدة الجنس البشري. يستحيل أن نكُون كلنا إخوة إلا إذا كان خالقُنا –أو أبونا، إن جاز التعبير– واحدًا. ثانيًا: لأن الوَحدة الأبوية تَعني أنْ ما مِن شخص أو فئة أفضل جوهريًّا من الآخرين. ثالثًا: لأن الوَحدة الإلهية تعني وَحدة المعايير الأخلاقية للناس كلهم. فإن خطَّأ الله القتل، فحُكمه للناس أجمعين، وليس لك أن تتولَّى إلى إله غيره طلبًا لمعيار أخلاقي آخر.

حين يُعبَد شيء آخر، يَظهر السُّوء. ولا أقصد مجرد عبادة شيءٍ واضحٌ أنه مَجلَبة للشر، كعبادة القوة أو العِرق أو المال أو العلَم (الراية)، بل أيضًا الأشياء التي لا يُرى فيها غالبًا إلا الحُسن، كالفنّ أو التعليم، أو حتى الحُب. نعم، أيُّ من أولئك المستحسَنات قد يؤدي إلى فظائع حين يُعبد.

خُذ الفن. كثير من أقسى البشر أحبُّوا الفنون والموسيقا الجميلة. لكني بصفتي محبًّا للموسيقا أدركتُ الحقيقة الـمُرَّة من زمان: أن الموسيقا العظيمة يمكن استخدامها لدفع الناس في سبيل الشر، كما يمكن استخدامها لحضهم على الخير. وقد عبَّر عن هذذا المخرج الهُليوديُّ العظيم استَنلي كُبريك في فلمه الكلاسيكي الصادر في ١٩٧١: برتقالة آلية. ففيه رجال يَغتصبون ويَقتلون، وفي الخلفية موسيقاء كلاسيكية.

وخذ التعليم. نعلم كلنا مدى أهمية التعليم، من تأهيل الناس للتوظُّف، إلى فهْم العالَم. لكن التعليم في حد ذاته، بمعزل عن غايات الله والبِرّ السامية، قد يؤدي إلى شر عظيم. وكثيرًا ما فعل! فكثير من أَثْقَف الألمانيين دعموا هتلر والنازيين، وتقريبًا كل المؤيدِين الغربيين لنظامَي الإبادة الجماعية –في الاتحاد السُّڤيِتي بقيادة استالين، والصين بقيادة ماو– كان تعليمهم عاليًا. ليس في الدكتوراه ما يضمن أن يكون نائلها أحكم أو أطْيب أو أحسن أخلاقًا من شخص لم ينل إلا الثانوية.

وحتى الحب كذلك. فهو في الغالب جميل طبعًا، لكنه كذلك قد يؤدي إلى شر. فمَن قدَّموا حب الوطن على حب الله والبِرّ في القرن العشرين كثيرًا ما أتَوْا شرورًا فظيعة. وهاك اختبارًا: تخيل أنَّ حيوانَك الأليف الذي تحبه وإنسانًا غريبًا لا تعرفه –ومِن ثَم لا يسعك حُبُّه– يَغرقان. فأيهما تحاول إنقاذه أولًا: حيوانك أم الغريب؟ إن كان الحب غاية في حد ذاته، فحيوانك. لكن إن كنتَ ترى حياة الإنسان أعلى قيمة من الحب، فلن تتبع الحب.

بهذه الوصية تهيَّأت الثورة الأخلاقية للكتاب المقدس والوصايا العشر المعروفة بـ«التوحيد الأخلاقي». اعبدْ رب الوصايا العشر، تَـبْـنِ عالَـمًا جيدًا. اعبد إلهًا باطلًا –مهما بدا نبيلًا–، تُصبحْ سِيما عالَـمِك القسوة.

دنس برِجَر

[1] راجع الديباجة والتوطئة

اقرأ أيضًا: لماذا الله (هو)؟


ما من تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *