الحفظ ونولان

(احتَمِلْ هاهنا حرقًا لفِلْم Memento)

من أُيَيَّام شاهدتُ من جديد فِلمَ (التَّذكار) الذي أخرجه خِرِسْتُوفُ بْنُ النَّوْلان في مطلِع القرن، وهو عن رجل خُبِط فصار لا يحتفظ لُبُّه بأي جديد.. متى انشغل بأمر، نَسِي بعد هُنَيْهةٍ غرضَه.. فاحتال لذلك بِالوِشام، فأخذ لا يترك صغيرة يبغي تَذْكارها إلا جعلها وَشْمًا على جسده. وهو فوق هذا يبحث عن قاتل امرأته، فتجده طول الفِلم مهتاجًا مُّوَسْوَسًا في إثر خيالات، يُخادعه كل من هبَّ في الفلم ودبّ، فكالدُّمية هو بين أصابعهم من عجزه عن الاحتفاظ بأي فكرة.

وصحيح أنه فلم نُّوَارِيّ (Film noir)، لكن لنا أن نشبِّه ببَطَلِه الإنسانَ المعاصر –ولا سيما الغربي– الذي جعله ذُهولُه بتلك الأُشَيَّاءِ اللوامعِ الوَهَّاجة عاجزًا عن التعلُّق بأي شيء تعلُّقًا ذاكِرِيًّا طويل المدى.. هَيْمان مُّذَبْذَب، يَخطف لُـبَّه أيُّ شيء أمامه، وسرعان ما ينبذه إلى آخرَ بلا أي وُصلة عميقة.. لا عنده إحساس بتاريخ ولا بثقافة ولا انتماء. وهذه مأساة! فذلك كله إنما يَحُول دون أن تنشأ بيننا وبين أي شيء أو شخص عَلاقة.. جحيم! ودونك بطل التَّذكار فانظرْ حاله وهو لا يعلم مَن هو ولا يدري عن هُوِيته وتطوراتها اليومية شيئًا.. جحيم فعلًا!

اقرأ أيضًا: المفعول المطلق

مشكلة وسببها

والناسُ، وإنْ بانُوا من بطل الفِلم صحةً وعافية، لا ينقضي عَجَبُك واصطدامك بافتقار معظمهم إلى الاتصال بأي ذكرى تاريخية أو أي ثقافة أو تقاليد. ليَصيرَنَّ هذا إلى بَلوى، بل صار! إنَّ المرء من جرَّاء ذلك لا يَغدو بربريًّا حَسْبُ، بل يصبح رُهَـيِّـفًا أُلعوبةً في يد مَن لا أخلاق لهم ولا مبادئ، وما أكثرهم! ما السريعُ فقدان الذاكرة وما الخارجُ من كَنَف التقاليد خروج النَّبْل من أَقْواسِها إلا امرؤ على شَفَا الجنون، فنحن –وإن كانت فينا حيوانية– نتاج تقاليدنا وثقافتنا.. وإذا اجتُثِثْنا منها اجتثاثًا، أَحْدَق بنا الجنون، فرديًّا ومجتمعيًّا.. فكل مجتمع يَّنتِش نفسه من تقاليده نتشًا، تأخذه الزَّلزلة ويصير إلى بَلبلة.. ودونك ما حدث في روسية في عشرينيات القرن الماضي وفي فرنسة من قبل، فانظرْه تجدْ ما قلتُه مِن نافلة القول!

فالسؤال إذن: ما تلك الأُشَيَّاءُ اللاعبةُ دورًا في خُئُور الذواكر وقِصَر أَمْداء الانتباه؟ لن نختلف طبعًا في الهواتف الذكية وما ظهر معها في هذا العصر الحاسوبي.. لكني أرى معها شُيَـيْـئًا آخر عُمِّي على الناس، هو: قلة التنويه بالحفظ والذِّكْر وتشديد أهميتهما، ولا سيما في المدارس! فلو أننا أُوتينا قَهْر الدهر وإرجاع الوقت، واطلعنا على ما انتهجه المتقدِّمون في تعلُّمهم- لوجدنا للحفظ نصيبًا كبيرًا من نَّهْجِهم، إذ كان على المرء منهم إذا طَلب العلم أن يحفظ طِوال الأنثار والأشعار، وكان ما يحفظونه حَفرًا في ألبابهم. أما المتأخِّرون فصارت كلمة الحفظ بينهم أُختَ الأَشْكِيف المخيف، لا يريد أيٌّ فَرْضَه على أحد، «فنحن هَمُّنا الإبداعُ وحلُّ المشكلات وكذا.. لكن الحفظ؟ فال الله ولا فالك!».

الحفظ والقراءة

لكن ربما آن أوان إعادة النظر في الحفظ والتلقين، وأن نَّحتمِل خطأهم في تشنيعهم عليهما. ولا أقول إن علينا أن نَّرجع بنهجنا إلى الزمن الذي كان الحفظ فيه هو كل شيء –وإن كنتُ أَستَغلي مَن يصف زمان المتقدِّمين بهذا، فلا أظنهم كانوا هكذا أصلًا في عصر النهضة أو العصور الوسطى–، إنما أقول إنه لا بأس أن يكون الحفظ والتلقين سُلَّمًا من سلاليم التعليم مُعتبَرًا.

انظر في الحفظ من حيث ثماره: فأنت به تُدمِج في حِجاكَ فِكَرًا وبِنًى جُمْلِيةً تجعلك للكلام أَصْوَغ، وعلى الكتابة أَقْدَر. وأنت إذا حفظت فِقَرًا أدبية، صارت منك ومن بُوصلتِك العقلية جزءًا لا ينفك، فتجعلك تفكيرًا أَرْسى وأوْثق، وبذلك الجانب التراثي تَعْلَق، فتَنماز عن الدَّهماء الذين إذا قَرَءوا كانت قراءتهم مجرد تمرير أَعْيُنات وتحريكِ أَنْمُلات، فلا تتفاعل عقولهم وما يَقرَءونه.. إذ لا سبيل إلى هذا إلا الحفظ.

اقرأ أيضًا: أمثال في الحث على السرعة

ذاكرة القدماء

ونحن إذا نظرنا في حَوافِظِ المتقدمين نظرًا نِّعِمَّا، وجدنا عُجابًا، فقد نَمُّوها حتى لكأنَّ حَوافِظَنا منها بمنزلة الذَّرة من الجبل.. وهاك مثالًا: قرأتُ مَرةً أن في زمن شِكْسَبِير كان بعض الكَتَبة يحاولون إنتاج مسرحيات مُنتَسَخة من مسرحياته، وساعتَها لم يكن بين أياديهم مُسجِّلات صوت، فكانوا يبعثون إلى مسرحياته الوَعَّابين.. والوعَّابون ناس يَّسَعُهم –من غير مبالغة- حفظُ مسرحيات كاملة صَمًّا من مرة واحدة أو اثنتين.. فكانوا يشاهدون مَسرحيته فيخرجون فيصبُّونها على الورق صَبًّا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة! فتخيل جَبَروت حَوافظهم، ولْتَنظرْ أيستطيع مثلَ هذا معاصِر؟! هيهات، إلا أن يكُون متوحِّدًا نِّطَاسِيًّا (Autistic Savant)! لكنك إذا نظرت إلى المتقدمين وجدت الوعَّابين فيهم كُثَارًا.. وليس هذا لِفَوَاقٍ وُّلِدوا به، إنما هو بالتَّمْران والدُّربة.

ولك في الحفظ ثمرةٌ أخرى، تجد حلاوتها وأنت تُحصِّل لسانًا أعجميًّا. إنك إذا وَدَعتَ عنك كل لَغْوٍ سمعتَه عن تحصيل الألسُن الأعجمية وتتبعتَ أَنابيبَه- وجدتَّها كلَّها ممتدة في أُنبوب واحد رئيس، هو تعلُّم الكَلِم.. فالكلمات إن لم تجمعها وتهضمها هضمًا، انعقد لسانك. فعليك في التحصيل بأَوْطَأ سبيل: حفظِ جُمَل حِوارية تصلح لجميع المواقف الاجتماعية.. فتحفظ ما يصلح للمقاهي والمطاعم والمستشفيات ومقابلات العمل ولُقْيان أحدهم وهلم جرًّا.. حتى إذا انْطبع عقلك على بِنَى الجُمَل وارتقيتَ درجة، جَعلتَ تَحفظ قصيدة أو فِقْرةً من أي صَحيفة تجدها بين يديك، وبهذا إنما يكون التحصيل. وليس هذا السبيل على وَطاءته بقصير، بل لا يَقطعه إلا الضَّبَنْطى.

الخلاصة

خُلاصة الكلام أن الحفظ أتى عليه حينٌ سُوِّئتْ فيه سَمْعته، ولا أرى لهذا ما يُسوِّغه، بل أرى ذواكرنا منه الآن في وَهَن واضمحلال، لا على المستوى الفردي وحده، بل المجتمعي أيضًا، وقد رأينا كلُّنا تلك الاستطلاعات التي يَسألون فيها عن حقيقة تاريخية لا تَزيد سِنُّها على 40 سنة، فيتصبب المسئول عرقًا من فرْط اعتصاره لذاكرته، لكن بلا طائل! هذا إن كان سَمِع بها أصلًا! فما أكثر المُلْهِيَات، وما أقوى الإرادة التي تَلزم المرءَ ليتجاهلها! وما أَمْهَر المِنْقَدة التي يَحتاج إليها في غَرْبَلة ما يَعرِض له، ليَعلم ما عليه التركيزُ فيه وما عليه اطِّرَاحُه!

وما أكثر المُركِّزِين فيما يجب اطِّراحُه! وقتُهم في ضَياع، وغذاءُ عقولهم وعيونهم حُثالاتٌ كما غذاءُ بُطونهم، فتجد حالَهم كحال بطَل فِلم التَّذكار، هيْمانِين مُهتاجين تتخطف الأُشَيَّاء الوَهَّاجة ألبابهم تِباعًا.. عِيشتُم جحيم فعلًا. فعليك –فيما أرى- بما يُنمي ذاكرتك. احفظ أي شيء، قصة أو قصيدة مُّطَوَّلة! تَحَدَّ نفسك ولن تندم. فإن داومتَ على ذلك قَوِيت ذاكرتك واحتدَّتْ بصيرتك وثَبَتَت بمرور الوقت قدمك.


ما من تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *