ديباجة

هذا تفريغ لسلسلة فديوهات عن الوصايا العشر كنتُ ترجمتها قبل، تناول فيها دِنِس برِيغر[1] كل وصية على حدة على الترتيب اليهودي، شارحًا معناها، وموضحًا لِم هي مهمة لنا الآن كما كانت وقت صدورها قديمًا، ويقدم تطبيقات عملية من الوقت الحاضر لأهميتها.

في السلسلة خير كثير، مع أن بعضهم قد يَستسخفها في البداية، بل إن هذا ما حدث فعلًا، إذ قُوبلت هذه السلسلة باستهجان كثيرين، ثم لما انتهت السلسلة قُوبلت بمدح المستهجِنين وغيرهم. فلا تتسرَّع، وانظر فيها بإمعان.

واعلم أني قد أعدِّل ترجمة الكتاب المقدس بما أراه أنسب، أو بما كان إلى كلام صاحب السلسلة والترجمات الإنجليزية الحديثة أقرب. وليس هذا من التفذْلك، فسترى الداعي إلى معظمه في السلسلة، فالصبر. هذا، والنصوص كانت ترجمتها صعبة نسبيًا، فأنا أترجم فيها كلامَ مترجِم يعيد ترجمة نصٍّ تُرجم من قبل (تُهتَ، صح؟). فأرجو أن أكون وُفقت.

وأما عن سبب اختياري لهذا العمل، فهذا سؤال قد يطول جوابه، لكن يكفي أن أقول إنها محاولة صغيرة لمواجهة موجة الاستخفاف بالتراث. الناس اليوم في موجة من الغرور والاستخفاف بكل ما هو تراثي قديم، ولا سيما الأديان. وأرى غير هذا، أرى أن في التراث هذا خيرًا كثيرًا مدفونًا.. صحيح أنه ينبغي تناوله بحذر وتدبُّر، لكن يجب ألا يُنبذ وراء الظهور جملة. هذا رأيي، وترجمة السلسلة هذه محاولة للتعبير عنه، وستعقبها محاولات أخرى إن شاء الله، فقراءة ممتعة.

علي أدهم عبد العزيز

تفسير الوصايا العشر

تَوطِئة

ليس في التاريخ وثيقةٌ حسَّنت العالَـمَ كما حسنته الوصايا العشر. فالحضارةُ الغربية (الحضارة التي طوَّرت حقوقَ الإنسان العالمية، وكفلت للمرأة المساواة، وقضت على الرِّقّ، واستحدثت الديمقراطية البرلمانية، وغير هذا من الإنجازات الفريدة) لم تكن لِتُوجَد من دون تلك الوصايا.

وتلك الوصايا –كما سترى حين تُشرَح كل وصية على حِدة– مهمةٌ ومناسِبةٌ الآن كما كانت حين صدرت قبل 3000 عام. بل تبلغ من الأهمية أن فيها كلَّ ضروري لبناء عالم جيد، لا طغيان فيه ولا قسوة. خذ لك لحظةً تَخـيَّـلْ فيها عالَمًا لا قتل فيه ولا سرقة. لن يكون في عالَم كهذا حاجة إلى جيوش أو شرطة أو أسلحة، وسيَسع الرجال والنساء والأطفال السير حيثما شاءوا، ووقتما شاءوا، ليلًا أو نهارًا، بلا خوف من قتل أو سرقة. بل تخيل عالَمًا لا يَشتهي فيه أحدٌ ما في يد قريبه، عالَمًا يَبَـرُّ فيه الأطفال آباءهم وأمهاتهم، فتزدهر وَحدة الأسرة.. عالَمًا يَتَّبع فيه الناس الوصية الناهية عن الكذب. إنَّ وَصفة العالَم الجيد مغروسة كلها في تلك الوصايا الجليلة العشر.

لكنْ للحصول عليها شرط! فتلك الوصايا قائمة على الإيمان بأنها صادرة عن يَدٍ أعلى من أي إنسان أو ملِك أو حكومة. لذا أكدت الجملة السابقة لتلك الوصايا أنْ: «تَكلَّمَ اللهُ بجَميعِ هذه الكلمات». فالوصايا العشر –على عَظَمتهنّ– إنْ صَدَرْن عن سُلطان بشري، فـلِأيِّ إنسان أن يقول: «مَن مُوسى هذا، أو مَن الملك هذا أو الملكة هذِي، أو ما الحكومة تلك لتَعليمي ما عليّ فعله؟!».

فلماذا لا غِنى للوصايا العشر عن الله إذَن؟

سأُباشِرُ قدر المستطاع: لأن تخطيء القتل إن لم يصدر عن الله، فالقتل ليس بخطأ. أعلم أن هذا يَستغمِضُه كثيرون، بل يَستَسخِفونه. منكم كثيرون يفكرون: «أيقول هذا الرجل إن الصلاح من دون إيمان بالله محال؟!». فخَلُّوني أرد بأوضح ما يمكن: أنا لا أقول ذا. لا ريب في وجود صُلَحاءَ لا يؤمنون بالله، كما أنه لا ريب في وجود طُلحاءَ مؤمنين.

ومنكم كثيرون يفكرون أيضًا: «أنا أعتقد أن القتل خطأ.. لا أحتاج إلى الله لتَعليمي هذا!». وهذا الرد لا يصح منه إلا بعضه. أنا موقِن بأنك إنْ كنتَ ملحدًا وقلتَ إنك تعتقد أن القتل خطأ، فأنت تعتقد حقًّا أن القتل خطأ. لكن اعذرني، أنت تحتاج إلى أن يصدر ذلك عن الله. كلنا نحتاج إلى هذا. فحتى إنِ استَنبطتَ بنفسك أن القتل خطأ، فكيف لك من دون الله والوصايا العشر أن «تَعلم» أن القتل خطأ؟ لا أقصد مجرد الاعتقاد، بل «العِلم»!

الحق أن هذا ممتنِع. فمن دون الله لا يكون الصواب والخطأ إلا معتقدًا شخصيًّا.. رأيًا شخصيًا.. أنا أرى صواب نشل الـمَتاجر، وأنت لا تراه. بلا إله، لا تكون الأخلاق كلها إلا آراءًا ومعتقدات. أَقرَّ بهذا كل الفلاسفة الملاحدة تقريبًا.

وفي القول بأنك «لا تحتاج إلى الله لتعتقد أن القتل خطأ» مشكلةٌ أخرى: أنّ كثيرين لا يوافقونك على ما تراه. ولا يَلزم لإثبات هذا أن تَرجع إلى زمن سحيق. ففي القرن العشرين قضى ملايين الأشخاص في ظل الشيوعية والنازية على نحو 100 مليون إنسان. وهذا العدد لا يشمل أي جندي مات في حرب!

فلا تَمتلِئنّ ثقةً بقدرة الناس على ميْز الصواب من الخطأ من دون سلطان أعلى. فما أسهل أن يؤثر فيك دِيماغوجيٌّ أو حكومة أو أَيديولوجية، أو أن تُعقْلِن صواب الخطأ الذي تقترفه! وحتى إن كنتَ تميز الصواب من الخطأ، فلا يزال الله ضروريًّا. فمَن يَميزون الصواب من الخطأ يقترفون الخطأ على رغم هذا. أتَدري لِـمَه؟ لأنهم قادرون.. وقدرتهم نابعة من اعتقادهم أنهم لا يُراقَبون. فأما إذا رضيتَ بأن الله مصدر القانون الأخلاقي، آمنتَ بأنه رَقيب.

لذا، حتى إنْ كنتَ ملحدًا فسترغب أن يلتزم الناس ما في الوصايا العشر من قوانين أخلاقية. وحتى الملحد لا بد له من الإقرار بأنه كلما زاد المؤمنون بأن الوصايا من الله –ومِن ثَم ليست مجرد آراء–، تَحسَّن العالَم.

على مرّ 3000 عام لم يأت أحد بنظام لتحسين العالَم أفضل من الوصايا الإلهية العشر. ولن يحدث أبدًا.

[1] Dennis Prager: من مواليد 2 أغسطس 1948م، نشأ في عائلة يهودية أرثوذكسية تنحدر أصولها من مدينة براغ (عاصمة جمهورية التشيك). وهو مؤسس برِيغر يُو (اختصار «جامعة پرِيغر»، وهي مؤسسة أمريكية غير ربحية، تعمل ڤيديوهات سياسية واقتصادية وفلسفية مختلفة من منظور محافظ، وتنشرها في موقعها وفي حسابها على اليُتيوب، وأغلب لا يتعدى 5 دقائق).

اقرأ أيضًا: لماذا الله (هو)؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *