اعلم –رُزقتَ بصيرةً مَّتينة، وتنزَّلتْ عليك السَّكينة– أن إلى التدين سُبُلًا تتفاوَت بسهولة ارتقائها، وقلةِ إشكالاتها، وقُربِ تصويراتها. وأقربُها إلى العقل ثلاثة: الاستقراءُ، والمعاينة، والاجتماع.

هروب لوط من سدوم - أمثل سبيل إلى التدين

١– فأما سبيل الاستقراء، فهو ما كان على طَرْز «الأثر يدل على المَسير»، فيكون باستنتاجِ الرب، ومن استنتاجِ الرب استنتاجُ صفاتِه، ومن استنتاجِ صفاته استنتاجُ العناية، ومن استنتاجِ العنايةِ استلزامُ الرسالة، ومن استلزامِ الرسالةِ المقارنةُ بين الأديان، وهلُمّ.

وهذا السبيل صار طويلا، محتاجا إلى صبر أيوبيّ، وإلى حِذق دافنشي، وفراغِ موظف حكوميّ، وإلى قدم موطودةٍ في الأصول مستقرة، للثبوت أمام إشكالاته وتفنيدها –وما صار أكثرَها!–. وبعد كل هذا قد يَرجع سالِكُه بخفَّي حُنين، وإن كسَبَ شيئًا صعُب عليه توريثه وتمريره. فلا يناسب عوامّ اللادينية، ولا سيما عوامّ زماننا، إذ لا بديهيات ولا أصول، ولا حذق ولا للبال طول.

٢– وأما سبيل المعاينة فلا يكون غالبا إلا في فَجر الدين وبَسمَلَتِه، فمتى ذهب النبي وذهبت آياتُه، انغلق الباب. وربما ظن ظانٌّ أن المعاينة أيسر السبل، وليست. فقلَّما يتفقُ معايِنان على وصف معايَن. وهذا شلّال إشكالات. وحتى إن حصلتْ معاينة وحصل اتفاق، فقلّما يكتفى اللاديني المتشكك بآية واحدة وبرهان واحد، فهو إن يرَ بينة يطلبْ غيرها، وإن ير غيرها يطلبْ غيرها. وأما المتهيئُ للإيمان فلا تَلزمه إلا دَفعة، فلا آية يطلبُها، ولا معاينة يَرقبُها.

وهذا قد يخفى على المتشكك، وفي القرآن ﴿وقال الذين لا يعلمون: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية. كذلك قال الذين من قبلهم مثلَ قولهم…﴾. وحُكي في التوراة أن اليهود رأوا من البينات ما يجعل الوِلدان شِيبًا، ثم هم بعد هذا يطلبون رؤية الله ويعبدون العجل، فتأمل! فمتى تشككتَ ثم حدثتْكَ نفسُك بأن المعاينة كفيلة بإيمانك واطمئنانك، فكذِّبْ نفسَك.

وكأني بِمَن يقول: بيننا الآن القرآن، فها هي ذي آيةٌ تُعايَن. فنقول إن القرآنَ بيّنةٌ لمن له ذائقة العرب، ولا عرب في عوام اللادينيين الوقتيين ولا ذائقة! ثم إنَّ مِن العرب أنفسِهم مَن عاين وذاق، وغاصوا في بلاغته حتى الأعناق، ثم هم بعدئذ بين مكابِر ومتشكك! فكلا، ليس بينةً لأولئك العوام، وإن فاق سبيلُه السبيلَ الأول، من حيث سهولة تمريره وتوريثه، وإمكان المعاينة به، باكتساب ذوق العرب الأقحاح حتى يصير ملَكة.

٣– وأما سبيل الاجتماع فهو بتأمُّل أحوال الناس وعواقبهم، والتفريقِ بينها عند التدين وعند التحلُّل. وقريبتُه في القرآن: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾. وهو أخفى السبل الثلاثة وأخْملُها، مع أحقيتِه بالإقبال والعناية، وأفضليتِه على ما عداه.

● فأما أفضليتُه، فلأنه يَستَحِثُّ في سالِكِه شعورًا هو أطغى من بقية الشعورات، ألا وهو: الخوف. فمن يتابعِ المتحلِّلين دهرًا، ويعاينْ أحاولهم وعواقبَهم، يَخَفْ على نفسه وأهله وذَراريه، فلا يكاد يطلب بيّنة أخرى أصلًا، وإنما يفرّ إلى الدين اتقاءَ العاقبة التي رآها، ويستمسك به وإن تكالبت عليه شكوك الدنيا.

هذا وفي تأمل أحوال الناس إنضاج للعقل، وتنبيه على الجهل، وتثبيط للعجَلة المُنزِّقة، وترويض للنفس المراهِقة، وتوقيف لها على فضل الأسلاف الذين مرَّروا لها كود النجاة.. فتجد المتأمِّل متريثًا، معتبِرًا لأكثر ما وجد عليه آباءه، محترِمًا عقولهم مستمسِكًا بحبْلهم، لا تُزعزعه الإشكالات، بل يأخذ يعالجها واحدة واحدة، هذا إن لم يُزهِّدْه خوفه في النظر فيها جملة، ولسان حاله يقول: فليكُن ألفُ إشكال، المهم أنه شغال.

وهو على صعوبة تمريره وتوريثه، يَتجلَّد عليهما الخائف. فالمرتعِبُ من العاقبة لا يرتعبُ أصلًا إلا ببُعده عن النزعة الفردية، إذ كيف يرتعبُ مَن يَّرى انتشار الإجهاض والضمد (promiscuity) والسرِّ العرَضي (casual sex) مثلًا –وهي له غُنْمٌ على المدى القصير أصلًا–، إلا أن يكون بعيدًا من الفردية، يرى الظاهرةَ فيكون أولُ تفكيره في أهله ومحيطه. فمَن كان هكذا لا يلبث إلا أن ينبه أقاربه وأحبابه، ويَصطبِر على وَعظهم، ولا يتركُهم إلا وقد علَّمهم أكثرَ ما تعلَّم.

● وأما خفاؤه، فَلِأنه إما يكون بتأمل آثار الحضارات البائدة –كما في الآية–، وليست منتشرة بين أيدي الناس.. وإما يكون بالنظر في تاريخ الأقوام اللادينية، وهي عزيزةٌ قالّة في التاريخ، فظاهرة اللادينية الجماعية لعلها بدعة في بني البشر.. وما بلَغنا عن المتحللين تشُوبُه مبالغات، قد تزهِّد العامي الحاليّ في النظر جملة. ولأنه محتاج –كما تقدَّم– إلى ثقة، سواء بالأسلاف أم بالدعاة، واللادينيون الحاليون لا ثقة لهم بالأسلاف ولا معرفة، ولا ثقة لهم بالدعاة ولا عاطفة.. فيكُون المرء في السبيل وحدَه، فيحتاج في تأمل تلك الفروق إلى دهر دهري، وعقل عبقري. وهذا متعذر للأغلبية.

.

.

لكني وقفت على سبيل مختصر، هو المبالغة في متابعة معاصِرين متحللين –كأغلب أوربة وأمريكة، أو لادينيِّي مجتمعنا ومُتْرَفيه–، فتعكُف على مواقعِهم وحساباتهم الرائجة، وعلى جدالاتهم وتِرنداتهم المائجة، فتستشف أثر نبذ البديهيات والمسلَّمات، والتحلل من التراث والأعراف والعادات.. ولن تلبث إلا أن تلاحظ نمطا مطرِدًا بينهم، نمطا مُّقلِقا قولا واحدا.. إلا أن تكون متشرِّبا آفاتِهم حتى النُّخاع، ومتحللا فرديًّا ولات حين ارتِجاع.

وأما من كان له على ذويه عاطفة، وبينه وبين أصله وتراثه وُصلة، وفيه أثارة من غريزة الإيمان وحب النظام، فلن يطيق ما سيراه على الأغلب.. فيأخذ يراجع موقفه من الدين، حتى يرتد من الطرف إلى مستقَر وسط. ولا يلزم أن يكون رجوعه بعد حل الإشكالات، وإنما هو يرتد على رغمها كما تقدم، فالدين في عينِه صار المَنْجىٰ، فلا تعود الإشكالاتُ تُقدم أو تؤخر، ولا سيما حين يراها تنقشع واحدا تلو الآخر، فيزداد تأصُّلا وتريُّثا واستحكاما، ويهُون عليه ما لا يفهمه.

ومصداقا لهذا سمعتُ دنس برِگر يقول مرةً: «لا يُبقيني على الدين شيء كما اليسارية.. ولا حتى الدين نفسُه». وهذا لَعَمْري قولُ بصير، تسمعه فتضرب كفا بكف من المتدينين والدعاة المُنفِقِي كل أوقاتِهم على نقد التطور وما شابه، ظانّين أنه السبيل الوحيد إلى التدين.. وليس! إنما قُصاراه –بعد تصديقهم له– أن يكون خطوة في «سبيل الاستقراء»، الكثيرةِ إشكالاتُه، العظيمةِ شُقَّتُه ومُعانَيَاتُه. ولا سبيل هو خير من الثالث كما قلتُ.

ولعل معترِضًا يقول: منطقك عليك مردود، فالمرء إن يتدين مِّن نظرِه في المتحللين، يتحللْ مِن نظره في المتدينين. وهذا حقٌّ مشهود في الواقع، فما أكثر المتحللين بسبب سوء المتدينين! لكني أُرجِعك إلى قولي فوق: «حتى يرتد من الطرف إلى مستقَر وسط»، فلم أقل: يرتد من الطرف إلى طرفهم.. وإنما المقصود أنه يرتد ناضجا متأصلا، مُقدّرا آباءَه حق قدرهم، فيتمسك بعاداتهم ويتشبث بإرثهم، ويَرُوم تخليص سمينِه من غثيثِه، لا يتحلل منه جملةً فينحطّ، ولا يحمله كالحمار جملة فيَشْتطّ، وإنما ينظر إليه نظر المُكْبِر طالب العلم، والمتريث المنتقِد عن تأصُّل وحِلم. والله المستعان.


التصنيفات: مقالات

ما من تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *