دستويفسكي وجردان

(تنبيه: احتمِلْ هاهنا حرقًا لبعض ما في رواية «الجريمة والعقاب»، وإن كنتُ أراه حرقًا جزئيا لا يحُول دون الاستمتاع بها.. لكن الخيار خيارك أنت!)

لوحة دستويفسكي

سمعتُ جُردان بن البَيْطار (Jordan Peterson) يتكلم عن دستويفسكي فيقول: هو عندي من الروائيين المفضَّلين، وفي الترشيح من أوائل المرشَّحين، فعليكم بكُتبه الخَمسة الأئمة؛ لن تجدوا لِعمقهما السَّكلجيّ مثيلًا، فلا أَنسَب منه لطلاب السكلجة. إنّ تولستوي أقرب إلى علم الاجتماع منه إلى السكلجة، وأما دستويفسكي فإنه يكشف عن أسئلة النفس غطاءها، فيغوص فيها حتى يبلغ قعرها.

ودونكم بطلَ روايته الجريمة والعقاب: اسمه رَسْكُـلْـنِـيكُوڤ (Raskolnikov)، وهو رجل مادي عقلاني –والماديون العقلانيون برزوا في ثمانينيات القرن التاسع عشر–، أَسَرتْه فكرة أن الله ميت، وأن الناس يَسلكون مَسلكهم الأخلاقيّ التقليدي لأنهم جبناء، ولِعجزهم عن الارعواء عن أعراف الدَّهماء، وعن الترفُّع عن مبادئهم وتقاليدهم.

فلما أسَرتْه تلكم الأفكار عذّبتْه، فلما عذبته جَوّعته وأرّقته، فلما جوّعته وأرّقته تخبَّط، وغلب على فكره التشوّش. وهو فوق هذا طالب لا مال له ولا عمل، وأمه مريضة عاجزة عن عونه، وأخته بسبيلها إلى زيجة لا مودة فيها ولا رحمة، بإنسان كريه غليظ القلب، لا تَرى فيه حسنة إلا ماله الذي قد يساعد أخاها.

وبينما أخوها مِن كل هذا غضبان مُغْـتـمّ، يفكر في أمر مُرابِيةٍ كان قد رهن عندها آخر ما يملك –والمُرابي: مَن يُقرض المال بالربا–.. وهذه المرابية بغيضة فظة، ومحتالة طماعة، يمقتها كل من لاقاها، حتى قريبتُها الطيبة البسيطة العقل، إذ تستعبدها وتضربها كيفما اتفق.

فيَتألّب على عقل رَسكُلنيكوڤ كل هذا: أفكاره العدمية وجوعه وفقره واضطراب عيشته وأسرته، فلا يرى مَخرجا إلا قتل المرابية وأخْذ ثروتها، فيحرِّر قريبتها، وينقذ أخته من زيجتها.. فيخلِّص الدنيا من شر، ويلتحق بكلية الحقوق فيزيد ما فيها من خير!

اقرأ أيضًا: قصص رعب قصيرة جدًّا

فضل دستويفسكي

إنّ لِبعض الناس عادةً سقيمة، وخَصلة ذميمة: أنهم إذا حاجُّوا أحدًا، أو جادلوا في عقلهم خَصمًا— حطوا شأنه، وحقروا رؤيته، وازدروا حجته، ورسموها للناس رسما كاريكاتوريًّا، حتى يَسهل لهم ضحدها والسخريّة منها، واستشعار بعض الانتصار من بعد. وأما أولو الألباب فيَقِفون موقف الخصم، وينظرون إلى حجته كأنهم هُم هُو، فيجسّدونهما قوية محكَمة ما استطاعوا، ثم ينصبون حجتهم هُم لتكون نِدًّا لحجته، فيكون الحِجاج متكافئًا واقعيًّا.

وهذا دَيدَن دستويفسكي في رواياته. وانظُر فيها إلى الشخصيات التي تحمل نقيض معتقداته، تجدْها غالبًا أقوى الشخصيات وأذكاها، وربما أحَبَّها إليك حتى! في الرجل شجاعة أي شجاعة! ودونك رَسكُلنيكوڤ هذا: جعل دستويفسكي قدّامه كل مبرر للقتل، فلسفيًّا وعمليًّا وحتى أخلاقيًّا، فيَركب دماغه فعلًا ويَحمل بَلطة ويقتل.

لكن لا تجري الأمور كما رام رَسكُلنيكوڤ، وإنما يجد نفسه بعد القتل نفسًا أخرى غير التي كانت من قبل، كأنما هي في عالَم غير عالَم الأولى –ولا يَألو دستويفسكي في توصيف ذلك العالم، وما فيه من رعب وفوضى وغِشّ ومعاناة–، بل إن القاتل لا يَستعمل المال حتى، وإنما تجده يسارع إلى دفنه حيثما اتفق، ويأبى أن يشم ريحته من بَعد.

وأنا لا أخبركم بكل هذا إلا لإغرائكم بالرواية، ودفعكم إلى قراءتها تدفيعا، فما أعظمها وأدقها! ورُب سائل مِن ثَم: أمَا حصل لِرسكلنيكوڤ هذا واقعي؟ والإجابة: إذا نظرتَ من حيث المَاجَرَيات، فما حصل له غير واقعي طبعا، وإنما كله من وحي الخيال.. وأما إذا رأيتَ رسكلنيكوڤ تجسيدًا لنوع معيّن من الناس كان يعيش في ذلك الزمان، ولنوع معين من الأيديولوجيات تفشى في أوروبة حتى غزا روسية، فكان من المؤديات الفلسفية إلى ثورتها— فرسكلنيكوڤ أصدق أنباءا من أي إنسان حقيقي، لأنه شخصية مركَّبة جامعة، اصطُفي من صفاتها وضُخّم ما يُعين على فهم عالمنا وبِنيته.. ولذا أسمي مثل شخصيته «حقًّا أسمى» (meta-real)، أراه أحق من الحق نفسه. اهـ.

اقرأ أيضًا: الحفظ والذاكرة، بين المتقدمة والمتأخرة

نبوءة دستويفسكي

وسمعتُه في مجلس آخر يقول: كلمتُكم قبلُ عن دستويفسكي ونيتشة، ووصْفِهما للوضع السكلجي الذي ساد العالم في أواخر القرن التاسع عشر، ومختصَره: أن الناس صارت لهم طرائق تفكير جديدة، قوّضت إيمانهم بطرائق تفكيرهم القديمة.. وهذا مُشكِل، لأن الناس محتاجون إلى مقام ثابت ومستقَرّ وطيد يوجِّهون أنفسهم منه ليَمضوا قُدمًا. مِن ثَم تبنأ كلاهما بأن هذا الانحلال والتفسُّخ سيَزيدان العدمية وما تقتضيه.

وقد أمعن دستويفسكي في الكتابة عن هذا، في روايته «في قبوي» (Notes from Underground)، التي تنبغي لأي مهتم بالسكلجة العِيادية، لعبقريتها ودقتها في توصيف نفسية المضطرِب.. ومثلها أقسامٌ في الجريمة والعقاب، لا يُعلى عليهما في هذا المَنحى.

سبب فضل دستويفسكي

ولا أعلم أنّى لدستويفسكي هذا! ما أعلمه أنه كان من المصروعين (والمصروع: مَن أصابه الصَّرْع)، فبعدما اعتقله رجال الإمبراطور من أجل راديكاليته، أخرجوه صباح يوم إلى كتيبة إعدام، والكتيبة فتحت عليه النيران، لكنهم كانوا استعملوا ذخائر فارغة، ولم يكن هو عارفًا هذا طبعًا، فهلع هلعًا شديدًا خرَّره صريعا، ومِن ثَم صار يغشاه الصرْع باقي عمره. لكن صرْعه كان غريبًا، وإن ليس نادرًا قالًّا.

اعلم قبلُ أن بعض المصروعين تغشى وعيَه غاشية، يدعوها أهل العلم حالة «الأُورة» (aura)، وأنّ للأورة أنواعًا ودرجات، بعضها غريب مدهش؛ قرأت مرةً أن أحد المصروعين كان يرى في أُورته شيطانًا قابضًا على يده، ثم تَستحكِم القبضة فتشمل ذراعه، حتى إذا بلغت رأسَه خر صريعًا.. وعن آخرَ أنه كان يُحس في أورته بنسخة مطابقة منه، ظَهْرها إلى ظَهره، كأنها انعكاسه في مرآةٍ ظَهرُه إليها، فمتى التـفَت ليَنظرها صُرِع، وإن لم يلتفت لم يُصرَع.

وأما دستويفسكي فكانت أورتُه أورةً كشّافةً لِكُـنْه الدنيا: يأخذ يغوص في معاني الأشياء ويتعمق، حتى إذا أوشك سر كل شيء أن ينكشف له، خر صريعًا. لكنه قال إن ما يؤنسه في أورته المتكررة كان عميقًا طاغيًا، وآسِرًا ساميًا، لو طال أن يشتريه بكنوز الدنيا لاشتراه. وحالُه حال مصروعين آخرين، تفتنهم أُوراتُهم فتنة آسرة، فتكرِّه إليهم أدوية الصرْع، لكرههم أن تفُوتَهم أوراتُهم.

وأظن أن اتساع بصيرته ومفاهيمه من جراء الصرْع ساهم في نبوغه.. صحيح أن هذا الاتساع كان من جراء أشياء أخرى أيضًا، فقد لبث في سجن سيبريا دهرًا، عن يمينه مغتصِبون وعن شماله قتَّالون، ومَن يَنجُ من مثل هذا يَخرج ببصيرة نفّاذة، وقريحة وقّادة.. لكني أرى في أورته أهمّ مفاتيح عبقريته. اهـ.


تعليق واحد

مختصر علامات التشكيل للمبتدئين – تريجمات · 02/08/2020 في 11:42 م

[…] اقرأ أيضًا: لماذا ينبغي أن تقرأ دستويفسكي […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *